مجمع البحوث الاسلامية

806

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أيّوب عليه السّلام . فلا يجوز لكم أيّها الكفّار أن تستدلّوا بحصول متاع الدّنيا لكم ، وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقّين ، وكونهم مبطلين . بل الكافر قد يوسّع عليه زيادة في الاستدراج ، والمؤمن قد يضيّق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان ، ولهذا قال تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ الزّخرف : 33 . وثانيها : أنّ المعنى : أنّ اللّه يرزق من يشاء في الدّنيا من كافر ومؤمن بغير حساب ، يكون لأحد عليه ، ولا مطالبة ، ولا تبعة ، ولا سؤال سائل . والمقصود منه أن لا يقول الكافر : لو كان المؤمن على الحقّ فلم لم يوسّع عليه في الدّنيا ؟ وأن لا يقول المؤمن : إن كان الكافر مبطلا فلم وسّع عليه في الدّنيا ؟ بل الاعتراض ساقط ، والأمر أمره ، والحكم حكمه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ الأنبياء : 23 . وثالثها : قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ أي من حيث لا يحتسب ، كما يقول الرّجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره : لم يكن هذا في حسابي . فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية : أنّ هؤلاء الكفّار وإن كانوا يسخرون من الّذين آمنوا لفقرهم ، فاللّه تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ، ولعلّه يفعل ذلك بالمؤمنين . قال القفّال رحمه اللّه : وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود ، وبما فتح على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بعد وفاته على أيدي أصحابه ، حتّى ملكوا كنوز كسرى وقيصر . فإن قيل : قد قال تعالى في صفة المتّقين وما يصل إليهم : عَطاءً حِساباً أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية ؟ قلنا : أمّا من حمل قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ على التّفضّل ، وحمل قوله : عَطاءً حِساباً على المستحقّ بحسب الوعد ، على ما هو قولنا ؛ أو بحسب الاستحقاق على ما هو قول المعتزلة ، فالسّؤال ساقط . وأمّا من حمل قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ على سائر الوجوه ، فله أن يقول : إنّ ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل ، صحّ من هذا الوجه أن يوصف بكونه عَطاءً حِساباً ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ . ( 6 : 9 ) القرطبيّ : قيل : هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين ، أي يرزقهم علوّ المنزلة ، فالآية تنبيه على عظيم النّعمة عليهم . وجعل رزقهم بغير حساب من حيث هو دائم لا يتناهى ، فهو لا ينعدّ . وقيل : إنّ قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ صفة لرزق اللّه تعالى كيف يصرف ؛ إذ هو جلّت قدرته لا ينفق بعدّ ، ففضله كلّه بغير حساب ، والّذي بحساب ما كان على عمل قدّمه العبد ، قال اللّه تعالى : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً النّبأ : 36 ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من المرزوقين ، كما قال : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الطّلاق : 3 . ( 3 : 30 ) البيضاويّ : بغير تقدير ، فيوسّع في الدّنيا استدراجا تارة وابتلاء أخرى . ( 1 : 113 ) أبو حيّان : أي بغير نهاية ، لأنّ ما لا يتناهى خارج